ابن الجوزي

146

صفة الصفوة

وأخاها قد حاصرا حصنا زمانا فافتتحاه ثم أصبحنا نستفئ « 1 » سهمانهما فيه - انفرد بإخراجه البخاري - « 2 » . وعن الأوزاعي « 3 » ، أن عمر بن الخطاب خرج في سواد الليل فرآه طلحة فذهب عمر فدخل بيتا ثم دخل بيتا آخر . فلما أصبح طلحة ذهب إلى [ ذلك البيت ] « 4 » فإذا بعجوز عمياء مقعدة ، فقال لها : ما بال هذا الرجل يأتيك ؟ قالت : إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا ، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى . قال طلحة : ثكلتك أمك طلحة أعثرات عمر تتبع ؟ . وعن ابن عمر ، قال : قدمت رفقة من التجار فنزلوا المصلّى فقال عمر لعبد الرحمن : هل لك أن تحرسهم الليلة من السرق ؟ فباتا يحرسانهم ويصلّيان ما كتب اللّه لهما ، فسمع عمر بكاء صبيّ فتوجه نحوه فقال لأمه : اتقي اللّه وأحسني إلى صبيك . ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك ، ثم عاد إلى مكانه فلما كان من آخر الليل سمع بكاءه فأتي أمه فقال لها : ويحك إني لأراك أمّ سوء ، ما لي أرى ابنك لا يقرّ منذ الليلة ؟ قالت : يا عبد اللّه قد أبرمتني « 5 » منذ [ الليلة ] « 6 » ، إني أريغه عن الفطام فيأبى ، قال : ولم ؟ قالت لأن عمر لا يفرض إلا

--> ( 1 ) نسنفئ : أي نطلب الفيء من سهمانهما ، أي من انصبائهما وهو جمع سهم وهو النصيب . ( 2 ) أخرجه البخاري في باب غزوة الحديبية ص 64 ج 5 وضبط النص على رواية البخاري . ( 3 ) هو إمام الشاميين أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الفقيه العابد ، روى عن القسم بن مخيمرة وعطاء وخلق كثير من التابعين ، وكان رأسا في العلم والعمل ، جم المناقب ، ومع علمه كان بارعا في الكتابة والترسل ، قال العقل بن زياد ، أجاب الأوزاعي عن سبعين ألف مسألة ، وقال إسماعيل بن عباس : سمعت الناس سنة أربعين ومائة يقولون : الأوزاعي اليوم أعلم الأمة . قال عبد اللّه الخريبي : كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه ، وقال الوليد بن مسلم : ما رأيت أكثر اجتهادا في العبادة من الأوزاعي ، وقال أبو مسعد : كان الأوزاعي يحي الليل صلاة وقرآنا وبكاء ، قال ابن ناصر الدين : الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي الدمشقي الثقة المأمون ، ولد ببعلبك سنة ثمان وثمانين ، وكان عالم الأمة منفردا بالسيادة مع اجتهاد في إحياء الليل ، أجاب في سبعين ألف مسئلة . قال الواقدي : كان يسكن ببيروت ومكتبه باليمامة ، فلذلك سمع من يحيى بن أبي كثير ، ومات ببيروت سنة سبع وخمسين ومائة وهو ابن اثنين وسبعين سنة ، انتهى كلام العبر . ( انظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب ص 242 ج 1 ) . ( 4 ) وردت في الأصل « البيت ذلك » . ( 5 ) برم به من باب طرب ، وتبرم به أي سئمه وأبرمه : أمله وأضجره ( انظر مختار الصحاح ص 50 ) ( 6 ) وردت في الأصل « الليلة » وهو تحريف .